أبي منصور الماتريدي

535

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

جعلكم عقلاء علماء ، فمن يملك هذا ويقدر على هذا ، يقدر على الإحياء بعد الموت والبعث بعد الفناء . أو يذكر هذا ؛ ليعلموا أنه لم يكن المقصود بخلقهم الفناء خاصة ، لكن لأمر آخر قصد بخلقهم ، وهو ما ذكر فيما تقدم من أنواع النعم وتسخير ما ذكر من الأشياء لهم ليعلموا أن المقصود في خلقهم لم يكن الفناء خاصة ؛ إذ لو كان الفناء خاصة لم يحتج إلى ما خلق لهم من الأغذية والنعم التي أنشأ لهم والأشياء التي سخرها لهم . وقال أبو بكر الأصم : قوله : وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وكنتم نطفا أمواتا فأحياكم ، ثم يتوفاكم أطفالا وشيوخا ، ومنكم من يعمر إلى أرذل العمر ، يقول : يرده بعد قوة وعلم وتدبير الأمور إلى الخرف « 1 » والجهل بعد العلم ليبين لخلقه أن العمر والرزق ليس بهما ربي وقوي ؛ لأنهما ثابتان ثم يبلى ويفنى بهما ويرجع إلى الجهل ، ولكن بلطف من الله وتدبير منه ، لا بالأغذية ، والله أعلم . إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بما دبر في خلقه مما يدركون به قدرة خالقهم ، وتصريفه الأمور ، وبما يكونون به حكماء وعلماء أن الذي دبرها حكيم قدير على ما شاء ، والحكمة فيما ذكر من تفريق الآجال ليكونوا أبدا خائفين راجين ؛ لأنه لو كانت آجالهم واحدة يأمنون ويتعاطون المعاصي على أمن ، لما يعلمون وقت نزول الموت بهم . والثاني : ليعلموا أن التدبير في أنفسهم وملكهم لغيرهم لا لهم ؛ لأن التدبير والأمر لو كان إليهم لكان كل منهم يختار من الحال ما هو أقوى وآكد . وقوله - عزّ وجل - : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ . قال بعض أهل التأويل « 2 » : [ يذكر ] « 3 » هذا مقابل ما أشركوا خلقه وعباده في ألوهيته [ وعبادته ] « 4 » ، يقول : فضل الله بعضكم على بعض في الرزق والأموال حتى بلغوا السادة والموالى فلا ترضون أن يكون عبيدكم ومماليككم شركاء في ملككم وأموالكم ، فكيف ترضون لله أن يكون عبيده ومماليكه شركاء ، إلى هذا ذهب بعض أهل التأويل . وقال أبو بكر الأصم : قوله : فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ أغنى بعضكم ، وأفقر بعضا ، وجعل منكم أحرارا وعبيدا فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بالغنى والتمليك بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلى

--> ( 1 ) في أ : الخوف . ( 2 ) قاله ابن عباس أخرجه ابن جرير عنه ( 21757 ) و ( 21758 ) ، وعن مجاهد ( 21759 ) وقتادة ( 21760 ) و ( 21761 ) وانظر : الدر المنثور ( 4 / 232 ، 233 ) . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) سقط في ب .